محمد بن جرير الطبري
153
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الرضا به وبحكمه . وبنحو الذي قلنا كان ابن زيد يقول حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ قال : لقوم آخرين لم يأتوك من أهل الكتاب ، هؤلاء سماعون لأولئك القوم الآخرين الذين لم يأتوه ، يقولون لهم الكذب : محمد كاذب ، وليس هذا في التوراة ، فلا تؤمنوا به . القول في تأويل قوله تعالى : يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا يقول تعالى ذكره : يحرف هؤلاء السماعون للكذب ، السماعون لقوم آخرين منهم لم يأتوك بعد من اليهود الكلم . وكان تحريفهم ذلك : تغييرهم حكم الله تعالى ذكره الذي أنزله في التوراة في المحصنات والمحصنين من الزناة بالرجم إلى الجلد والتحميم ، فقال تعالى ذكره : يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ يعني : هؤلاء اليهود ، والمعنى : حكم الكلم ، فاكتفى بذكر الخبر من تحريف الكلم عن ذكر الحكم لمعرفة السامعين لمعناه . وكذلك قوله : مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ والمعنى : من بعد وضع الله ذلك مواضعه ، فاكتفى بالخبر من ذكر مواضعه عن ذكر وضع ذلك ، كما قال تعالى ذكره : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ والمعنى : ولكن البر بر من آمن بالله واليوم الآخر . وقد يحتمل أن يكون معناه : يحرفون الكلم عن مواضعه ، فتكون " بعد " وضعت موضع " عن " ، كما يقال : جئتك عن فراغي من الشغل ، يريد : بعد فراغي من الشغل . ويعني بقوله إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا يقول : هؤلاء الباغون السماعون للكذب ، إن أفتاكم محمد بالجلد والتحميم في صاحبنا فخذوه ، يقول : فاقبلوه منه ، وإن لم يفتكم بذلك وأفتاكم بالرجم ، فاحذروا . وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، قال : ثني الزهري ، قال : سمعت رجلا من مزينة يحدث سعيد بن المسيب ، أن أبا هريرة حدثهم في قصة ذكرها : وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ قال : بعثوا وتخلفوا ، وأمروهم بما أمروهم به من تحريف الكلم عن مواضعه ، فقال : يحرفون الكلم من بعد مواضعه ، يقولون : إن أوتيتم هذا فخذوه للتحميم ، وإن لم تؤتوه فاحذروا : أي الرجم حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : إِنْ أُوتِيتُمْ هذا إن وافقكم هذا ، فَخُذُوهُ يهود تقوله للمنافقين حدثنا المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ إن وافقكم هذا فخذوه ، وإن لم يوافقكم فاحذروه يهود تقوله للمنافقين . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ حين حرفوا الرجم فجعلوه جلدا ، يقولون : إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا حدثني المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن الزبير ، عن ابن عيينة ، قال : ثنا زكريا ومجالد ، عن الشعبي ، عن جابر : يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ يهود فدك يقولون ليهود المدينة : إن أوتيتم هذا الجلد فخذوه ، وإن لم تؤتوه فاحذروا الرجم حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا هم اليهود ، زنت منهم امرأة ، وكان الله قد حكم في التوراة في الزنا بالرجم ، فنفسوا أن يرجموها ، وقالوا : انطلقوا إلى محمد فعسى أن يكون عنده رخصة ، فإن كانت عنده رخصة فاقبلوها . فأتوه فقالوا : يا أبا القاسم إن امرأة منازنت ، فما تقول فيها ؟ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : " كيف حكم الله في التوراة في الزاني ؟ " فقالوا : دعنا من التوراة ، ولكن ما عندك في ذلك فقال : " ائتوني بأعلمكم بالتوراة التي أنزلت على موسى " . فقال لهم : " بالذي نجاكم من آل فرعون وبالذي فلق لكم البحر فأنجاكم وأغرق آل فزعزن إلا أخبرتموني ما حكم الله في التوراة في الزاني " قالوا : حكمه الرجم . فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم